فخر الدين الرازي
205
تفسير الرازي
العالم قبل أن حدث بتقدير لحظة أو بعد أن وجد بتقدير لحظة ؟ وكذا القول في تقدير كل واحد من المحدثات بزمانه المعين ، وكل واحد من الأجسام بأجزائه المحدودة المعدودة ، ولا جواب عن شيء من ذلك إلا بأنه قادر مختار ، والمختار له أن يرجح الشيء على مثله من غير علة ، وإذا كان هذا الجواب هو المعتمد في خلق جملة العالم ، فكذا في تخصيص زبانية النار بهذا العدد . وأما السؤال الثاني : فضعيف أيضاً ، لأنه لا يبعد في قدرة الله تعالى أن يعطي هذا العدد من القدرة والقوة ما يصيرون به قادرين على تعذيب جملة الخلق ، ومتمكنين من ذلك من غير خلل ، وبالجملة فمدار هذين السؤالين على القدح في كمال قدرة الله ، فأما من اعترف بكونه تعالى قادراً على مالا نهاية له من المقدورات ، وعلم أنه أحوال القيامة على خلاف أحوال الدنيا زال عن قلبه هذه الاستبعادات بالكلية . المسألة الثانية : احتج من قال : إنه تعالى قد يريد الإضلال بهذه الآية ، قال لأن قوله تعالى : * ( وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ) * يدل على أن المقصود الأصلي إنما هو فتنة الكافرين ، أجابت المعتزلة عنه من وجوه أحدها : قال الجبائي : المراد من الفتنة تشديد التعبد ليستدلوا ويعرفوا أنه تعالى قادر على أن يقوي هؤلاء التسعة عشر على مالا يقوى عليه مائة ألف ملك أقوياء وثانيها : قال الكعبي : المراد من الفتنة الامتحان حتى يفوض المؤمنون حكمة التخصيص بالعدد المعين إلى علم الخالق سبحانه ، وهذا من المتشابه الذي أمروا بالإيمان به وثالثها : أن المراد من الفتنة ما وقعوا فيه من الكفر بسبب تكذيبهم بعدد الخزنة ، والمعنى إلا فتنة على الذين كفروا ليكذبوا به ، وليقولوا ما قالوا ، وذلك عقوبة لهم على كفرهم ، وحاصله راجع إلى ترك الألطاف والجواب : أنه لا نزاع في شيء مما ذكرتم ، إلا أنا نقول : هل لإنزال هذه المتشابهات أثر في تقوية داعية الكفر ، أم لا ؟ فإذا لم يكن له أثر في تقوية داعية الكفر ، كان إنزالها كسائر الأمور الأجنبية ، فلم يكن للقول بأن إنزال هذه المتشابهات فتنة للذين كفروا وجه البتة ، وإن كان له أثر في تقوية داعية الكفر ، فقد حصل المقصود ، لأنه إذا ترجحت داعية الفعل ، صارت داعية الترك مرجوحة ، والمرجوح يمتنع أن يؤثر ، فالترك يكون ممتنع الوقوع ، فيصير الفعل واجب الوقوع والله أعلم ، واعلم أنه تعالى بين أن المقصود من إنزال هذا المتشابه أمور أربعة . أولها : * ( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ) * وثانيها : * ( ويزداد الذين آمنوا إيماناً ) * وثالثها : * ( ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون ) * ورابعها : * ( وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً ) * واعلم أن المقصود من تفسير هذه الآيات لا يتلخص إلا بسؤالات وجوابات : السؤال الأول : لفظ القرآن يدل على أنه تعالى جعل افتتان الكفار بعدد الزبانية سبباً لهذه الأمور الأربعة ، فما الوجه في ذلك ؟ والجواب : أنه ما جعل افتتانهم بالعدد سبباً لهذه الأشياء وبيانه من وجهين الأول : التقدير : وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ، وإلا ليستيقن الذين